العمل العميق : دليلك للتركيز في عالم مليء بالمشتتات

إدمانك للتشتت هو نهاية إنتاجك الإبداعي !

لنكون صريحين فالارتداد بين محادثات الواتساب وتفقد البريد الإلكتروني والإشعارات القادمة من تعليقات الأخرين على منشوراتك على مواقع التواصل الاجتماعية ليس له أي جدوى أثناء العمل ولا سبيل للتقدم إطلاقًا في عالم الاقتصاد المعلوماتي فلن تستطيع بذلك إتقان لغة البرمجة التي لطالما خططت لتعلمها أو ممارسة الرياضة وإنقاص بعض الكيلوغرامات في وزنك أو تنمية مواهبك في الكتابة أو القراءة وغيرهم من الأهداف التي وضعتها لنفسك والتي تحلم بإنجازها ، كل ذلك هي علامات واضحة على الانشغال تخرجك من وضع الإنتاجية والتركيز إلى وضع التشتت في عالم أصبحت المشتتات تملأ كافة جوانبه ، فقد أصبح التركيز على مهمة واحدة تتطلب معرفة كافية وقدرة ذهنية هو أمر صعب للغاية ، فطبيعة المشتتات الموجودة نتيجة للتطور الرقمي من أدوات الإنترنت والتواصل عن بعد عبر مواقع التواصل الاجتماعي على سبيل المثال زاددت الأمر إرهاقًا للذهن الذي لم يعد يجد البيئة المناسبة التي تساعده على الإنجاز والمواصلة ،فالحاجة الملحة للدخول في وضع التركيز المطلق المربوط بالفعالية والإنتاجية أثناء العمل هو الغاية لكل طالب أو موظف أو مستقل .

من ذلك المنطلق ظهر مفهوم الDeep Work أو العمل العميق ، هو عملة نادرة هذه الأيام ومهارة قيمة بإمكانك تعلمها وتطويرها ؛ لذلك صديقي القارئ النهم ... ما رأيك في رحلة تعيرني فيها انتباهك لبضع دقائق نحو عدة تفاصيل تساعدك في تكوين فكرة شاملة حول العمل العميق وماهيته وكيف تكتسبه باستراتيجيات وطرق مدروسة ومجربة لتكون انطلاقتك الأولى في ممارسته .

قد يناسبك أيضًا : كيف تتعلم أي شيء في أول عشرين ساعة ؟

العمل العميق
العمل العميق

ما هو العمل العميق ؟

من السذاجة أن نعتبر العمل العميق له علاقة بالغطس أو العمق الجغرافي ، إنه يشير بشكل رئيسي إلى العمق المعرفي ، يمكننا تعريفه بأنه القدرة على العمل في حالة من التركيز العميق لفترة طويلة من الزمن دون تشتيت أو انقطاع من أجل تسخير قدرات العقل في تحقيق ما تريد من أهداف ، بحيث أن العمل الغير عميق أدى إلى انفاق الأشخاص لكميات كبيرة من يومهم في حالة من التشتت المستمر مما يقلل من القدرة على الوصول لذروة أدائهم ، بإمكانك اكتشاف وقوعك خلال هذه المشكلة من تتبع وقتك على الهاتف أو الحاسوب لترى مدى الوقت المهدر في تطبيقات ليس لها فائدة في أوقات العمل بالذات ، العمل العميق هي مهارة قيمة في ذلك العالم الاقتصادي البحت تبعًا لتطور سريع في التكنولوجيا ، مما يعنى أن القادرين على ممارسة العمل العميق هم الأوفر حظًا في التنعم بازدهار مهني أو بالوصول إلى أهدافهم في مختلف جوانب الحياة كعلاقة الطلاب بالدراسة مثلا .

القدرة على العمل العميق أصبحت نادرة بشكل كبير في نفس الوقت التي ازدادت قيمته في عالمنا الاقتصادي .

لماذا تحتاج إلى العمل العميق ؟

في الأونة الأخيرة أصبحت أغلب المهام تتطلب أشخاصًا ذوي مهارات عالية ، حيث في عصر تطور الشبكات العنكبوتية والمهن المتعلقة بها أدت إلى إحلال الألة مكان الأشخاص لتأدية المهام التي تتطلب مهارات منخفضة ، فازدادت حاجة العالم وتغيرت معاييره لزيادة الطلب على أشخاص يجيدون التعامل مع تقنيات الذكاء الاصطناعي والبرمجة وكل ما يتعلق بالحاسوب بالإضافة إلى ارتباطهم بكافة مجالات الحياة ، وهذا بدوره جعل المنافسة قوية في الحصول على فرص للوظائف والعمل باعتبار العمل عن بعد داخل المعضلة بسبب سعي معظم الشركات ووضع أولوية في البحث عن الشخص المناسب لأداء المهمة من أي مكان في العالم وهو ما وفرته مواقع العمل الحر أي أن حجم المنافسة على وظيفة معينة قد يصل إلى مستوى العالم ، كذلك هنالك العديد من الشركات التي في الأساس هي رقمية يتكون فريق العمل من عدد لا يتجاوز 10 أشخاص مع مستهلكين لمنتوجهم قد يصل لملايين الأشخاص كأغلب شركات المنتوجات الرقمية ؛ لذلك صديقي أنت بحاجة إلى شيئين أساسيًا وهما القدرة على تعلم أشياء صعبة ومعقدة بسرعة والإنتاج بفاعلية مع ضمان الجودة والسرعة في التنفيذ ، وهو ما ستكتسبه من خلال العمل العميق 😊 !

( طرحنا جانب أهمية العمل العميق من ناحية إحدى الأهداف كالعمل ، لكن يمكنك تطبيقه على جوانب أخرى كالدراسة أو تعلم مهارة أو أي شيء أخر تضعه في أهدافك )

العمل العميق وتعلم الأشياء الصعبة

سر تعلم أي شيء مهما وصل مدى صعوبته هو التركيز عليه وحيدًا من أجل الحصول على الكفاءة الكاملة ، فالدماغ البشري يعمل من أجل الفهم العميق لمجال ما من خلال ربط مواضيعه وقضاياه بشكل منهجي منظم حتى إذا أردت استدعاءه في أي وقت من الأوقات أُتيحَ لك ذلك بسهولة ، وذلك يتحقق من خلال الممارسة المتعمدة والمكررة من خلال توفير مدة كافية من التركيز المكثف دون أي ملهيات وتجنب جعل البيئة مليئة بالمشتتات ، وبالتالي فإن ممارسة العمل العميق تكسبك قدرة ذهنية على الدخول في وضع التركيز ( Focus Mode ) بسرعة وبالتأكيد سيؤثر على قدراتك بالإيجاب في التعلم دون عناء .

وفي هذا السياق : ما هي صعوبات التعلم الذاتي ؟ كيف تتغلب عليها ؟

العمل العميق وزيادة الإنتاجية

من ناحية الإنتاجية فالعمل العميق لفترات طويلة سيجعلك تصل للذروة وقد يعوضك عن جانب الموهبة وحدة الذكاء في إنجاز المهام ، فلست بحاجة للعمل عدد ساعات أكبر إذا كنت تدير ساعات إنجازك بكفاءة ودون مشتتات ، فالفكرة كما ذكرت مسبقا متمثلة في تجميع الأعمال الشاقة والتي تحتاج لمجهود ذهني كبير وإنجازها في وقت مكثف على فترات متعددة دون أي مشتتات ، فالعمل بكفاءة وجودة عالية يتأثر طرديًا بحدة التركيز وعكسيًا بالوقت المنقضى ، فكلما زاد التركيز وقل الوقت كانت الجودة متميزة ، لنفرض أنك تعمل على ثلاث مهام بشكل متتالي فإن تفكيرك سيظل مرتبطا بالمهمة الأولى لفترة من الوقت حتى تستجمعه مرة أخرى في المهمة التي تليها ؛ لذلك فواحد من أهم مبادئ العمل العميق هو العمل لفترات ممتدة على مهمة واحدة .

وفي هذا السياق : لزيادة إنتاجيتك : خمس نصائح قيمة تساعدك على زيادة إنتاجية يومك

كيف تكتسب مهارة العمل بعمق ؟

طبيعة نفس الإنسان هي مقاومة الرغبات التي تعيقه ، وكما هو معلوم أن أشهر هذه الرغبات وأكثرها تأثيرًا هم الأكل والنوم والجنس ، لكن الواقع الحالي فرض علينا شيئين مرغوبين بكثرة بل تحولوا إلى إدمان ، وسبب الإدمان أن بعض هذه النشاطات مصمم بحرفية كبيرة من أجل يثير مراكز التحفيز داخل عقلك ، وأول هذين الشيئين هما الاستراحة من الأعمال التي تتطلب مجهودًا كبيرًا وثانيهم هو تصفح الإنترنت وبالأخص السوشيال ميديا ، وبالتالي دعنا نتفق على شيء مهم وهو أن السبيل إلى ممارسة العمل بعمق هو بناء عادات تمكن صاحبها من الدخول في حالة تركيز شديدة بمقاومة أقل من أجل إضعاف تأثير تلك الرغبات ، دعنا نتفق كذلك أنك بحاجة لقواعد وأساسيات تطلعك على كيفية تنظيم هذه المهارة ونقصد بالمهارة هنا هي " العمل بعمق " ؛ لذلك إليك عدد من الطرق التي تكسبك مهارة العمل بعمق :

صناعة العادات

عاداتك تعبر عن شخصيتك ، فهي واحدة من أهم الأساسيات من أجل تطوير شخصيتك والوصول لأهدافك ، وبناء العادات يتطلب بعض الصرامة والمواصلة والمتابعة ، من ناحية العمل العميق فالعادات هنا هي طقوس تساعدك على الدخول في وضع العمل بتركيز بسرعة ولفترة طويلة ، في العمل أنت بحاجة إلى تحديد المكان المناسب لأداء مهمتك وهنا احرص ألا تختار غرفة صاخبة كغرفة المعيشة حيث تشاهد عائلتك التلفاز وأحد الأطفال في الجانب الأخر يبكي ويتحدث هذا معك وهذا معك ، بذلك أنت تشتت بنفسك بنفسك ، فخصص مكانًا هادئًا مريحًا تستمتع بالعمل فيه .

بالإضافة إلى أنه إذا كان هنالك أشياء تحفزك كنوع معين من الطعام ينشطك أو قلمًا معينًا تكتب به فعليك أن تفعل ذلك لأنه سيسرع من وتيرة عملك وسيجعلك تحب ما تفعله ، رتب كذلك أوراقك ومكانك وحتى حاسوبك اجعله دائمًا نظيفًا مرتبًا ولا تجعل ال Desktop يبدو كالمزرعة الغير نظيفة حتى لا تخرج من تركيزك لأجل أشياء تافهة ، هنالك عادات أخرى قد تطور من وتيرة عملك كالبومودرو ومعدل الإنجاز بالوقت وأدوات احترافية لتنظيم كل ما يخصك مثل نوشن واستراتيجيات تنظيم الوقت المختلفة .

ابنِ عاداتك ، فالإنجازات العظيمة لا تأتي من الاكتفاء بالإلهام فقط بل بدفع العقل إلى أقصى إمكانياته .

 اقرأ أيضًا : عادات يومية بسيطة بإمكانها تغيير حياتك للأفضل

احترافية التنفيذ

التعرف على الهدف هو أمر ليس به أي مشكلة تقريبًا ، في الغالب أنت تعرف ما تريد أن تفعله لكن عندما نتحدث عن الكيفية فهنا يجب أن نتوقف قليلًا ، هل تدرك بالفعل الكيفية الصحيحة للوصول إلى هدفك أو تحقيق ما تريد بشكل يوفر لك بعض الوقت والجهد ، بالحديث عن احترافية التنفيذ فهنالك عدة نصائح ستساعدك على الاحتراف .

في البداية عليك التركيز على الأشياء المهمة أولا بترتيب الأولويات ، فكلما تعددت مهامك التي تعطيها وقت بالتأكيد ستقل النتائج المرتبطة بكل واحدة منهم فقط ؛ لذلك عليك العمل على الأهم إلى الأقل أهمية باستهداف عدد أقل من الأهداف وتوفير انتباه أكثر لهم .

بالإضافة إلى قياس مستوى نجاحك والاعتراف بها من أجل دفعك للاستمرار والمواصلة ، عليك أن تقيس عدد الساعات التي تعمل بها بعمق خلال الأسبوع وتحديد ما حققته بها من أجل قياس مستوى فعاليتك مع الاحتفاظ بالنتائج لإدراك مدى التقدم مما سيحفزك للسعي للأفضل وسيخلق بداخلك رغبة من أجل المواصلة للنجاح كذلك سيشعرك بأثر العمل العميق على تطوير إنتاجيتك ، أيضًا عليك الاحتفاظ بالنتائج الأسبوعية ومقارنتها ببعضها لمعرفة سبب التقصير في الأسابيع السيئة والأسباب التي جعلت أسبوعًا أفضل من الأخر وهكذا ، مراقبة النفس هي عنصر أساسي لتحقيق الأهداف المرجوة .

لا لوسائل التواصل الاجتماعي

إذا كنت من الأشخاص الذين يتصفحون الإنترنت لفترات طويلة ودعنا نخص بالإنترنت مواقع التواصل الاجتماعي فإن العمل العميق سيكون صعبًا نوعا ما ، لأن المغزى الأساسي من وراء صناعتها هو إدمان استخدامها وعادة أنت لا تستخدمها بل هي من تستخدم وقتك وتسرقه ؛ لذلك فإنك بالعادة عندما تدخل أجواء العمل أو عندما تشعر بأي حالة ملل شديدة فإن أول شيء تفعله هو فتح هاتفك الذكي وتصفح وسائل التواصل الاجتماعي والاندماج بل إنك في بعض الأحيان عندما تفتح هاتفك للبحث عن شيء ما تنغمس داخل الانستجرام لنصف ساعة أو أكثر ، فالحل الأمثل هو توقيف استخدامها لمدة من الوقت كعشرة أيام مع مراعاة استبدالها بنشاطات أخرى جيدة خارج نطاق الإنترنت بحيث تكون بدائل قيمة تعطيك محفزًا أكبر من التطبيقات التي لا نفع لها ثم مقارنة حياتك قبل وبعد اعتزالها وسؤال نفسك ما إذا كان هنالك أحد تأثر بغيابك أم لا ، ومن وجهة نظري فإنك إذا استطعت الانقطاع ولمست التغيير في حياتك فلا تعود مرة أخرى حتى لا تدخل في نفس الدوامة .

( حاول ألا تجعل الوصول لمواقع التواصل الاجتماعي سهل ومتاح بالنسبة لك ، احذفهم من هاتفك واستخدم تطبيقات تحظرهم ، كذلك إذا كنت ستفتح افتح من المتصفح حتى تجد بعض الصعوبة ولا يسرق وقتك )

ننصحك بالاطلاع على : كيف تستغل مواقع التواصل الاجتماعي في تحقيق الاستفادة ؟

حدد وخطط لساعات عملك

الجدول الزمني الثابت ونقصد به ساعات يومية مخصصة لإنجاز المهام وله حد أقصى من الساعات بدلًا من العمل لساعات سخيفة غير ثابتة هو طريقة أكثر فعالية لممارسة العمل العميق من أجل تحديد أهدافك ، مثلًا أن تحدد 6 ساعات يومية ثابتة للعمل كأن تكون من العاشرة صباحًا حتى الرابعة عصرًا وألا تعمل بعدها ، أنت بذلك تدرب عقلك أن هذه هي ساعات الإنجاز وسيعتاد عليها ، فتخلص من العمل الضحل من جدولة ولا تستمتع بالفرص التي لا تقدم لك الكثير لخدمة أهدافك ، وبالتالي أنت بحاجة لقول " لا " لكل ما يعيقك ، وهذا من شأنه سيرفع من مستوى قضائك لوقتك بحكمة .

من ناحية التخطيط فلا شك أن بدء يومك بخطة هو أفضل طريقة للتعامل مع العمل العميق ، حيث إهدار أكثر من ساعة صباحًا دون أي إدراك لما تود أن تفعله وما تنوي إنجازه ليس بالشكل الصحيح ، ضع أهدافًا شهرية واربطها بمهام يومية ثم خطط لساعات عملك ولنفرض أنها أيضًا 6 ساعات ، فحدد ما ستفعله بالضبط في كل ساعة وأفرض أنك كحالي تكتب مقالًا الآن ووضعت له مدة 6 ساعات ، ففي الساعة الأولى مثلًا ستنظم وتجمع أفكارك والثانية ستبدأ الكتابة وهكذا ، اجعل خطتك مرنة وليست مقيدة فهنالك ظروف قد تحدث أثناء الساعات أو مهمة تأخذ أكثر من الأخر وهذا يحتاج لحرفية منك في تقدير الوقت المناسب لأداء مهامك ، وبكل تأكيد فأثناء فترات العمل اجعل نفسك صعب الوصول كما ذكرنا بالنسبة لبريدك الإلكتروني أو الواتساب وغيرهم .

قد يناسبك أيضًا : اعمل بذكاء وليس بجهد : تعلم كيف تنجز مهامك بسلاسة

أووووه .... لقد وصلت إلى نهاية هذه السطور ، لكن هل تعتقد أن هذه هي نهاية المواضيع المتعلقة بتطوير الذات ؟! ما زال رصيدنا من تنفيذ الأفكار المبدعة لم ينتهِ بعض فهو أشبه بالعنقود الذي ينضج لا ينتهي فانتظرنا ، لدينا كذلك مخزون جيد من المقالات المتعلقة بتطوير الذات ... فالقِ نظرةً عليها وتصفحها فلربما تكون سببًا في تغييير شيئًا داخلك للأفضل ، لما لا تكتب تعليقًا وتشاركنا رأيك حول العمل العميق وهل تنوي تنفيذه أم لا ؟!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق